الشيخ عبد الغني النابلسي

87

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصلت : 53 ] . وقد أرانا ذلك بفضله ومنه ، وتبين لنا . وقال تعالى في غيرنا : * ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ( 51 ) [ الكهف : 51 ] . ( فاستدللنا ) ، أي أقمنا الدليل ( بنا ) ، أي بأنفسنا ( عليه تعالى ) ، كما قال سبحانه : من اهْتَدى ، أي وصل إلينا فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ، أي يصل إليها وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها [ الإسراء : 15 ] ، أي على نفسه فلا يهتدي إليها . وقال النبي عليه السلام : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » « 1 » ، ( فما وصفناه تعالى بوصف ) من الأوصاف مطلقا ( إلا كنا نحن ذلك الوصف ) الذي وصفنا اللّه تعالى به ، لأننا على صورته ، فوصفنا له وصفنا لنا ، والصورة واحدة غير أنها إذا نسبت إليه تعالى كانت قديمة ، وإذا نسبت إلينا كانت حادثة ، لأنها في نفسها هي تلك الأمور الكلية التي تقدم الكلام عليها ، وأنها واحدة لم تنفصل في ذاتها ولم تتعدد ، ولكن لها حكم وارد عليها من جهة الأعيان الموجودة في الخارج فتتفصل وتتعدد باعتبار ذلك على حسب ما سبق بيانه ( إلا الوجوب ) ، أي وجوب وجوده تعالى ( الذاتي الخاص ) به تعالى فلا حظ لنا فيه كما مر . * * * فلمّا علمناه بنا ومنّا نسبنا إليه كلّ ما نسبناه إلينا . وبذلك وردت الأخبار الإلهيّة على ألسنة التّراجم إلينا . فوصف نفسه لنا بنا : فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا وإذا شهدنا شهد نفسه . ولا نشكّ أنّا كثيرون بالشّخص والنّوع وأنّا وإن كنّا على حقيقة واحدة تجمعنا فنعلم قطعا أنّ ثمّة فارقا به تميّزت الأشخاص بعضها عن بعض ، ولولا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد . ( فلما علمناه ) تعالى ( بنا ) ، أي بعلمنا بأنفسنا ( ومنا ) ، أي علمنا به تعالى ناشئا منا ( نسبنا إليه ) تعالى ( كل ما نسبناه إلينا ) من الأوصاف والأفعال والقوى الباطنة والظاهرة والأعضاء والجوارح ، ولكن على حد ما يليق بحقيقته القديمة وذاته العظيمة ، لا على حد ما هو ظاهر لنا من ذلك حسا وعقلا ( وبذلك ) ، أي جميع ما هو منسوب إلينا من الوجود والحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .